رفيق العجم

مقدمة 24

موسوعة مصطلحات ابن خلدون والشريف علي محمد الجرجاني

وتعليل للكائنات ومباديها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق » « 1 » . ولم يخرج ابن خلدون في إدراكه لمفهومي العلّة والسبب عن علم الأصول الإسلامي ، ولا سيّما التمييز بين العلّة والسبب . فالعلّة نبعة وجود الشيء والسبب ما به يكون الشيء ، أي عنده وبواسطته وفضله . وقد تأثّر ابن خلدون بشيء من التصوّرات المنطقية عندما تحدث عن تتابع حوادث تاريخية مفردة تفضي إلى اعتبار أوسع للحوادث لجهة انتمائها للمجتمع واشتراكها في تطوّر الدولة . فدرس الحوادث وجمعها ، تبعا لحوادث مناسبة ، هو جزء من التأثّر بالمنطق . وعاب على المؤرّخين عدم الأخذ بهذا الطريق : « إذا تعرّضوا لذكر الدولة نسّقوا أخبارها نسقا محافظين على نقلها وهما أو صدقا لا يتعرّضون لبدايتها ، ولا يذكرون السبب الذي رفع من راتبها وأظهر من آيتها ، ولا علّة الوقوف عند غايتها ، فيبقى الناظر متطلّعا بعد إلى افتقاد أحوال مبادئ الدول ومراتبها ، مفتّشا عن أسباب تزاحمها أو تعاقبها باحثا عن المقنع في تباينها أو تناسبها » « 2 » . وهو في مذهبه هذا يسمّي هذا الاتجاه « الجهل بطبائع الأحوال في العمران » . فالواقعات من العمران لها طبعها وحالها ، أي علّتها وأسبابها . إن ذلك يجعل الوقائع المفردة تنتمي إلى صنف له سبب بمثل ما هي لها مصدر بمثابة العلّة . 3 - رسم ابن خلدون حركة التاريخ والمجتمعات ضمن المحدّدات العربية والإسلامية . لقد رأى أن الحكم السياسي والدولة لهما عمر محدّد مثل الأشخاص . وكان نهجه يدور حول ثلاثة أجيال : تارة يتحدّث عن خمسة أطوار في عمر الدولة ، ولعلّ الثلاثة أجيال اختصّت بالإنسان الذي ينهض بالحكم السياسي ، أما الخمسة فاختصّت بحركة الدولة في نقلاتها كمؤسّسة « 3 » ؛ وطورا عن نقلات أربعة في التاريخ « 4 » ، يستمدّها من تاريخ منطقته وعالمه آنذاك ، أي إن المكان والزمان لعبا دورهما في تحديداته إضافة

--> ( 1 ) المقدمة ، 1 / 282 . ( 2 ) المرجع السابق ، 1 / 285 . ( 3 ) لمزيد من المعلومات عن الأجيال والأطوار عند ابن خلدون ، انظر المقدمة 2 / 545 - 556 . ( 4 ) المقدمة ، 1 / 320 - 321 .